الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
45
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
كفرا ، وقد لا يكون كفرا بل معصية كبيرة ، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضى الكفر كفر ، وإلا فلا ، وأما تعليمه وتعلمه فحرام ، وإذا لم يكن فيه ما يقتضى الكفر عزر فاعله واستتيب منه ، ولا يقتل عندنا ، وإن تاب قبلت توبته . وقال مالك : الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله . والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق ، لأن الساحر عنده كافر ، كما ذكرناه ، وعندنا : ليس بكافر « 1 » ، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق . قال القاضي عياض : وبقول مالك قال أحمد بن حنبل وهو مروى عن جماعة من الصحابة والتابعين . قال أصحابنا : فإذا قتل الساحر بسحره إنسانا واعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبا لزمه القصاص . فإن قال مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة ، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته ، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني . قال أصحابنا : ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة ، وإنما يتصور باعتراف الساحر . انتهى . واختلف في السحر : فقيل : هو تخييل فقط ، ولا حقيقة له ، وهو اختيار أبى جعفر الأسترآباذي من الشافعية ، وأبى بكر الرازي من الحنفية وطائفة . قال النووي : والصحيح أن له حقيقة ، وبه قطع الجمهور وعليه عامة العلماء ، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة . قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني : لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا ؟ فمن قال إنه تخييل فقط منع ذلك ، والقائلون بأن له حقيقة اختلفوا : هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض ، أو ينتهى إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه ، فالذي عليه الجمهور هو الأول .
--> ( 1 ) قلت : الذي أعرفه عن الإمام الشافعي - رحمه اللّه - أنه لا يكفر الساحر ، بل يتوقف في أمره حتى يستبين له أن ما يأتيه سحر أم لا ، حيث إن بعض الدجالين يأتون بأعمال ليست من السحر ، فلا يكفرون بها ، أما الساحر الحقيقي فكافر كما قال مالك وأحمد - رحمهما اللّه - مستدلين على ذلك بقول اللّه تعالى . . . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ . . . وليس بعد كلام اللّه كلام .